ابن عجيبة
464
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الحجاب لم يعترضوا على أحد ، وهم المرجفون بأهل النسبة ، إذا سمعوا شيئا يسوؤهم أفشوه ، وأظهروا الفرح . لئن لم ينتهوا عن ذلك ليسلطن اللّه عليهم من يخرجهم من النسبة بالكلية ، ثم لا يبقون فيها إلا قليلا ، ممقوتين عند أهل التحقيق ، أينما وجدوا ، أخذوا بالفعل أو بالقول فيهم . وقد ألّف بعض الفقهاء تأليفا في الرد على الفقراء ، فسلط اللّه عليه من أهانه ، ووسمه بالبلادة والجمود ، ولا زال مهانا أينما ذكر ، والعياذ باللّه . ولما ذكر حال المنافقين ، ذكر حال المشركين ، لاشتراكهم في الكفر ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 63 إلى 68 ] يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ( 64 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 65 ) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ( 66 ) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ( 67 ) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ( 68 ) يقول الحق جل جلاله : يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ، كان المشركون يسألون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن وقت الساعة ، استعجالا واستهزاء ، واليهود يسألون امتحانا ؛ لأن اللّه تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب ، فأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر اللّه به ، ثم بيّن لرسوله عليه الصلاة والسلام - أنها قريبة الوقوع ، تهديدا للمستعجلين ، وإسكاتا للممتحنين فقال : قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ، لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا . وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً أي : شيئا قريبا ، أو : في زمان قريب ، فتنصب على الظرفية ، ويجوز أن يكون التذكير ؛ لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان . إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ ؛ أبعدهم عن رحمته ، وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ؛ نارا شديدة التسعير ، أي : الإيقاد ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً ، وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى ، و ( خالدين ) : حال مقدرة من ضمير « لهم » . لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يحفظهم ، وَلا نَصِيراً يمنعهم ويدفع العذاب عنهم ، وذلك يَوْمَ تُقَلَّبُ أو : واذكر يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ؛ تطوف من جهة إلى جهة ، كما ترى البضعة « 1 » من اللحم تدور
--> ( 1 ) البضعة : القطعة . انظر اللسان ( بضع ، 1 / 296 ) .